السيد محمد تقي المدرسي

317

من هدى القرآن

بل إنه قد يمضي سننه عبر إرادة الإنسان ونشاطه ، ومن هذا المنطلق يتعرض السياق في هذه الآيات لدور الإنسان ، المرأة والرجل . والدور الهام الذي قامت به أم موسى عليه السلام يؤكد دور المرآة في الصراع الرسالي الجاهلي ، كأم ، وكزوجة ، وكشحنة عاطفية ، وهذه قضية أساسية وهامة . فمن جهة نقرأ عما قامت به أم موسى في تأسيس هذا الصراع وانطلاقه ، وما قامت به أخته من تتبع مصيره ، ومن جهة أخرى تحدثنا الآيات عما قامت به زوجة فرعون من عمل حافظت به على حياة هذا القائد . إذ أشارت على زوجها بالإبقاء على موسى عليه السلام حيا ، وبالرغم من اختلاف الأدوار ، إلا إنها تلتقي في نقطة واحدة هي مساهمة المرأة في الصراع . وهذه المساهمة لا تقتصر على الأدوار الجانبية ، بل نجدها في صميم المسؤوليات الخطيرة ، فأم موسى عليه السلام وإن كانت مؤمنة وملتزمة بالأمر الإلهي إلا إنها كأم كانت لها عواطف الأمومة ، فكيف تقبل أن تلقي بولدها - الذي عملت المستحيل حتى لا تصل إليه يد السلطة - في اليم لتبتلعه أمواجه الغاضبة ، خاصة وأن المرأة مهيأة نفسيا وجسديا للاهتمام برضيعها بعد الولادة ، فكل اهتماماتها الفطرية وجوانب تفكيرها مركزة نحو ذلك الوليد ! . وفي البين يذكرنا الذكر بأحد العوامل الأساسية لانتصار الحركات الرسالية في الصراع ، وهو عامل الكتمان والسرية في العمل الرسالي والذي يبدو بعض الأحيان الأهم في العمل ، فلو أن أم موسى أبدت عواطفها وباحت بسرها ، لتسببت في القضاء على الحضارة التي أسسها وليدها المبارك ، ولهذا قال الإمام الصادق عليه السلام : « كِتْمَانُ سِرِّنَا جِهَادٌ فِي سَبِيلِ الله » « 1 » . ثم تذكر الآيات بدور عامل آخر في الانتصار ، وهو عامل البحث والتحقيق ، وحسب التعبير الحديث التجسس ، فالحركة الإسلامية وإن كانت حركة إلهية إلا إن عليها التسلح بكل العوامل المشروعة التي تقرب إليها النصر ، كعامل التجسس لمعرفة خطط النظام الفاسد والواقع المحيط ، ثم تستفيد من ذلك في تحركها ، ومن هذا المنطلق أمرت أم موسى عليه السلام أخته أن تقص أثره ، وتتعرف على مصيره ، فمشت خلفه حتى رسا على مقربة من قصر فرعون ، فالتقطه آل فرعون ، واجتمعوا حوله يتشاورون ، وهنا تدخل الغيب لإنقاذ موسى عليه السلام ولكن بعد أن هيأت أمه الظروف المناسبة ، وبذلت قصارى جهدها ، إذ استجابت لنداء الوحي ، وصبرت على فراق وليدها ، كما أرسلت أخته خلفه ، فأعاده الله إليها ، ولكن كيف ؟ . لما حرم الله على موسى المراضع ، وألقى محبته في قلبي فرعون وزوجه ، وجعلهم

--> ( 1 ) بحارالأنوار : ج 44 ، ص 278 .